حميد مجيد هدو

50

كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج)

6 الحياديّة وعدم الانحياز في الخطاب الديني : وقد بحثها علم النفس الاجتماعي من عدّة جوانب لعلّ من أهمّها وأجلاها : الجانب الاعتقادي عند الإنسان . وينعكس التحيّز وعدم الحياد هنا في تجاهل دور عامل ما ، أو المغالاة في دور عامل آخر . فالباحث الذي يدرس أثر غياب الإيمان بالله على الإنسان ، قد يهمل دور البديل الذي يحلّ محلّ ذلك الإيمان ونوع هذا البديل وأثره ، وينسب النتائج إلى مجرّد نزعة الكفر وطول الفترة التي غاب فيها الإيمان عن قلب هذا الإنسان . إنّ المتحدّث العادي يضع النتيجة قبل معرفة السبب وذلك لتعصّبه لما يريد أن يقول ، أمّا السيّد الحيدري فإنّه يدرس الحالة على ما فيها من حسّاسيّة ويناقش فيها على وفق ما يتصوّره الطرف الآخر لا على وفق ما يتصوّر هو . وكأنّه يريد أن يقول له : لو كان تصوّرك صحيحاً لكنت أنا أولى بالأخذ به منك ، وأنّ تصوّرك هذا قد اكتشفه من هو أعلى منزلةً منّا نحن الاثنين . وهذا السياق في الاحتجاج هو أجلى صور التجرّد من العاطفة لدى السيّد الحيدري حين يتحدّث عن « واجب الوجود » و « الفتنة في الأموال والأولاد » و « عذاب الأنبياء » . . . إلخ ، ممّا قد نتطرّق له مفصّلًا في فصول لاحقة من هذا الكتاب . إنّ هذه العوامل مجتمعةً في مخاطبة السيّد الحيدري للآخرين ، تجعلنا نحكم وبشكل موضوعيّ على ما يمتلكه من مقوّمات الخطيب الذي ينفُذ كلامه إلى أعماق النفس ليزيل عنها كلّ أشكال الشكّ والحيرة في أمور يصعب الوصول إلى حقائقها من غير مثل هذا الخطاب الواعي . إنّه لا يترك مجالًا للمماحكة والمساجلة ويحمل السامع حملًا على الإنصات له إلى الأخير وكأنّ المتحدّث إنّما يفرغ عمّا في قلب السامع من تساؤلات واستيضاحات .